الآلوسي
5
تفسير الآلوسي
والحال أنهم غير مؤمنين به معرضون عنه غير مستعدين لحلوله . * ( قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَّا تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ أَرُونِى مَاذَا خَلَقُواْ مِنَ الاَْرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِى السَّمَاواتِ ائْتُونِى بِكِتَابمِّن قَبْلِ هَاذَآ أَوْ أَثَارَةٍ مِّنْ عِلْمٍ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ ) * . * ( قُلْ ) * توبيخاً لهم وتبكيتاً * ( أَرَأَيْتُمْ ) * أخبروني وقرئ * ( أرأيتكم ) * * ( مَا تَدْعُونَ ) * ما تعبدون * ( منْ دُون الله ) * من الأصنام أو جميع المعبودات الباطلة ولعله الأظهر ، والموصول مفعول أول - لأرأيتم - وقوله تعالى : * ( أَرُوني ) * تأكيد له فإنه بمعنى أخبروني أيضاً ، وقوله تعالى : * ( مَاذَا خَلَقُوا ) * جوز فيه أن تكون * ( ما ) * اسم استفهام مفعولاً مقدماً - لخلقوا - و * ( ذا ) * زائدة وأن تكون * ( ماذا ) * اسماً واحداً مفعولاً مقدماً أي أي شيء خلقوا وأن تكون اسم استفهام مبتدأ أو خبراً مقدماً و * ( ذا ) * اسم موصول خبراً أو مبتدأ مؤخراً وجملة * ( خلقوا ) * صلة الموصول أي ما الذي خلقوه ، وعلى الأولين جملة * ( خلقوا ) * مفعول ثان - لأرأيتم - وعلى ما بعدهما جملة * ( ماذا خلقوا ) * وجوز أن يكون الكلام من باب الأعمال وقد أعمل الثاني وحذف مفعول الأول واختاره أبو حيان ، وقيل : يحتمل أن يكون * ( أروني ) * بدل اشتمال من * ( أرأيتم ) * وقال ابن عطية : يحتمل * ( أرأيتم ) * وجهين . كونها متعدية و * ( ما ) * مفعولاً لها . وكونها منبهة لا تتعدى و * ( ما ) * استفهامية على معنى التوبيخ ، وهذا الثاني قاله الأخفش في * ( أرأيت إذ أوينا إلى الصخرة ) * . وقوله تعالى : * ( منَ الأَرْض ) * تفسير للمبهم في * ( ماذا خلقوا ) * قيل : والظاهر أن المراد من أجزاء الأرض وبقعها ، وجوز أن يكون المراد ما على وجهها من حيوان وغيره بتقدير مضاف يؤدي ذلك ، ويجوز أن يراد بالأرض السفليات مطلقاً ولعله أولى * ( أَمْ لَهُمْ شرْكٌ ) * أي شركة مع الله سبحانه * ( في السَّمَوَات ) * أي في خلقها ، ولعل الأولى فيها أيضاً أن تفسر بالعلويات . و * ( أم ) * جوز أن تكون منقطعة وأن تكون متصلة ، والمراد نفي استحقاق آلهتهم للمعبودية على أتم وجه ، فقد نفى أولاً : مدخليتها في خلق شيء من أجزاء العالم السفلي حقيقة واستقلالاً ، وثانياً : مدخليتها على سبيل الشركة في خلق شيء من أجزاء العالم العلوي ، ومن المعلوم أن نفي ذلك يستلزم نفي استحقاق المعبودية ؛ وتخصيص الشركة في " النظم الجليل " بقوله سبحانه : * ( في السماوات ) * مع أنه لا شركة فيها وفي الأرض أيضاً لأن القصد إلزامهم بما هو مسلم لهم ظاهر لكل أحد والشركة في الحوادث السفلية ليست كذلك لتملكهم وإيجادهم لبعضها بحسب الصورة الظاهرة . وقيل : الأظهر أن تجعل الآية من حذف معادل * ( أم ) * المتصلة لوجود دليله والتقدير الهم شرك في الأرض أم لهم شرك في السماوات وهو كما ترى ، وقوله تعالى : * ( ائْتُوني بكتَاب ) * إلى آخره تبكيت لهم بتعجيزهم عن الإتيان بسند نقلي بعد تبكيتهم بالتعجيز عن الإتيان بسند عقلي فهو من جملة القول أي ائتوني بكتاب الهي كائن * ( منْ قَبْل هَاذَا ) * الكتاب أي القرآن الناطق بالتوحيد وإبطال الشرك دال على صحة دينكم * ( أَوْ أَثَارَة منْ علْم ) * أي بقية من علم بقيت عليكم من علوم الأولين شاهدة باستحقاقهم العبادة ، فالإثارة مصدر كالضلالة بمعنى البقية من قولهم : سمنت الناقة على أثارة من لحم أي بقية منه . وقال القرطبي : هي بمعنى الإسناد والرواية ، ومنه قول الأعشى : إن الذي فيه تماريتما * بين للسامع والآثر وقال أبو سلمة بن عبد الرحمن . وقتادة : المعنى أو خاصة من علم فاشتقاقها من الأثرة فكأنها قد آثر الله تعالى بها من هي عنده ، وقيل : هي العلامة . وأخرج أحمد . وابن المنذر . وابن أبي حاتم . والطبراني . وابن مردويه من طريق أبي سلمة بن عبد الرحمن عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم : " أو أثارة من علم " قال : الخط ، وروي ذلك أيضاً موقوفاً على ابن عباس ، وفسر بعلم الرمل كما في حديث أبي هريرة مرفوعاً